جنين القط

كنا نقطن قرب بيت فخم تحيط به حديقة واسعة ذات أشجار وارفة تحلق الطيور في سمائها بلا انقطاع وتشدو على أغصانها طوال اليوم. فجأة هجر البيت أصحابه فأغلقت نوافذه و أبوابه شهورا و تأبطته الوحشة و صبغت جدرانه كلما غابت شمس و ادلهمت سماء. ثم سرعان ما انقشعت مع تغير وجهة البيت الذي تحول إلى مصحة: ففتحت النوافذ و جللت بالستائر البيضاء الشفافة، و طليت الجدران بالجص الأبيض الندي فانتشرت الحركة بجوارنا و أصبحنا نشاهد سيارة إسعاف ترسو أمام المصحة، نعيقها لا يفتر طوال الليل و النهار تعاضدها سيارات أجرة غادية ورائحة كالنفس. وزخرت المصحة فجأة بحركة العمال و طواقم الممرضين و الزوار و نشطت أروقتها و حديقتها و ساحتها الأمامية، و صادف أن زارنا في تلك الفترة قط صغير يبحث عن مأوى فتبنيته واحتضنته حبا في الحيوانات جميعها و شعورا مني بمسؤولية حازمة إزاءها. اعتنيت بالقط حتى اشتد عوده و شركته ألعابي وجعلت منه رفيقي في البيت و خارجه. وحذق القط القفز على السياج خلال أيام قليلة وأمعن في التنقل من مكان إلى آخر يطارد العصافير أو يستجلي محاسن قطة أعجبته متخذا بيتنا مقرا للراحة و التكاسل و التثاؤب تحت أشعة الشمس. ومع مرور الأيام تعودت على فقدانه مع إحساس بحب جارف نحوه كلما ماء بجانبي أو تمسح بذيله على رجلي أو حذائي. تواصلت علاقتنا على تلك الوتيرة حتى صبيحة ذلك اليوم. كنت يومها في عطلة. نهضت متأخرة و أسرعت كعادتي إلى الحديقة فأبصرت القط أمامي: كان يقف على السياج الفاصل بين حديقتنا و حديقة المصحة. أبصرته رافعا ذيله يموء و يعوي فيما تدلى من فكيه جسم آدمي صغير، دمه المتقاطر يجلل عنق القط بلونه القاني. اشمأزت نفسي عند رؤيته فركضت باتجاه البيت أستنجد بأبي الذي تبعني منزعجا متأففا حتى أبصر القط. عندها توقف و رفع ذراعيه في قلق و غمغم:"لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله ..". ثم ربت على كتفي قائلا: "إنه جنين .لقد قتلوه قبل أن يكتمل " ثم صمت. و كذلك فعلت. مكثت في مكاني تأسرني الحيرة، أتطلع تارة إلى قسمات وجه أبي المتوترة، وتارة إلى القط الجاني. كنت أحاول استيعاب مدى أهمية الحدث. غير أني كنت أجهل في ذلك العهد كنه كلمة جنين ولم أكن مهيأة لتصور ما حدث بالضبط. فوجدتني أمام الموت وجها لوجه. فجأة اتجه أبي نحو القط المكشر يريد قنصه فراوغه و نط إلى الجهة الأخرى من السياج مدحرجا الجنين على أرض حديقتنا. أسرع أبي نحو الكتلة الصغيرة يتأملها في حرج حنون ثم دسها في ورقة تين مفرطحة مثل أذن الفيل ورفعها إلى أعلى ممعنا إخفاءها عن نظراتي المتحفزة و الفضولية. طلب مني إحضار المعول فناولته إياه بسرعة وتأملته وهو يقلب التربة البنية الندية يعد لتوه قبرا صغيرا لمن لم ير الحياة أبدا ويواريه التراب فيدعه ينام بعيدا عن أعين القتلة وأفواه الجياع. بت ليلتها كالمحمومة لا أكاد أغمض عيني حتى تنتفض أمامي صورة الآدمي الصغير يتدلى من فكي القط فاستنكف من رؤيته ويقشعر جسدي وألج غلالة من الحزن غامقة اللون لا أعرف مأتاها. بحثت بعد تلك الحادثة عن كلمة جنين وعثرت بعد لأي على شرح المنجد لها: "الولد ما دام في الرحم" غير أني توقفت عند كلمة "رحم" وكأنها سمسم علي بابا السري ويئست من الظفر بها لأني تعودت الرجوع إلى أبي كلما استعصت علي كلمة ولا ألجأ إلى المنجد إلا لماما، فخجلت من مساءلته ثانية. في تلك الفترة تواترت زيارات جارنا الأمريكي إلى البيت وكان قد اكترى منزلا قريبا منا. كان يروم التعرف على أهل البلد كما تعتقد أمي ملبيا دعوات أبي مستلطفا إياها. في ذلك التاريخ لم تكن أمي تجالس الغرباء وإنما تتجشم إعداد الحلويات التونسية بأصنافها المتعددة دون ملل. تضعها في أطباق رائعة الجمال والتنسيق و تسلمني إياها فأحملها ذكية الرائحة ولذيذة مثل طفولتي. لم يكن السيد "هانريكس" وسيما ما عدا شعره الذي كان يلاطف أذنيه مثل قطع الحرير كلما التفت، فأحسده عليه. كان فارع القامة غليظ الأصابع وكنا نبدو مثل أقزام في حضرته، قميئين شيئا ما فنرفع رؤوسنا نحوه لنحادثه فيما كان ينحني نحونا قليلا لنفس الغرض. كان السيد "هانريكس" يتحدث بصوت عال ويضحك بصوت عال كذلك، أحيانا يغرق في الضحك لأتفه الأسباب، فتدمع عيناه وأنا أتأمله يضحك و يتثنى كالمفتون. كان يحذق اللغة الفرنسية التي بدأت أتعود عليها في المدرسة ويدخن سجائر طويلة ونحيفة يقول أبي إنها أمريكية الصنع. وكان كلما أتيته بطبق تساءل عن اسمه وكيفية صنعه، وأطنب في مديح أيادي من صنعته فألمح لآلئ عرق تلمع عند صدغي أبي. عندها أعشق عرق أبي وأشفق عليه وأكره جارنا الثقيل. أذكر تمادي السيد "هانريكس" في السؤال عني وكنت بحكم المهمة التي عهدت إلي، أتردد على الصالون فسمعته يسأل أبي عن مدى نباهتي في المدرسة وعن أعدادي وكنت أنا المتوسطة في كل المواد ما عدا في مادتي القراءة والمطالعة أتحرج من أجوبة أبي الفاضحة فأطأطئ رأسي وأتلهى بالنظر إلى حذاء ضيفنا المطاطي ينام عند ساقيه مثل ضفدع ضخم غير أنيق وأقارنه بحذاء أبي الجميل الذي كان مهووسا بانتقاء أجمل الملابس وأكثرها أناقة. مر يومان على تلك الحادثة. وفي اليوم الثالث طرق جارنا الباب يستأذن في زيارة دون سابق إعلام. يومها تفاقمت حيرة أمي إذ صعب عليها إحضار الحلويات سريعا فاكتفت بإعداد الشاي، حملته بدوري إلى غرفة الجلوس حيث استمعت إلى السيد "هانريكس" يكرر أسئلته الرتيبة عن الطقس وعن نتائجي المدرسية ثم يعرج على حادثة القط ليتساءل في النهاية عن سبب تحمس أبي لحفر الأرض وقلب التربة يوم الأحد. بدأت حبات العرق تجلل جبين أبي فيما أحسست بحرجه يلفني كما برنس في يوم قر. مكثت في مكاني أترقب تطور الموقف ملتفة في البرنس. ثم تناهى إلي صوت أبي يقول بنبرة هامسة وكأس الشاي بدأت تفتر في راحته: "لم أفهم سؤالك سيد "هانريكس"؟ ابتسم السيد "هانريكس" من شفتيه فيما تعنتت عيناه تتفرسان في وجه أبي ثم قال في فتور: - يحلو لي أيام الآحاد وأيام الفراغ أن أجول بنظري في المشهد الذي يحيط بالحي، عبر منظار أملكه و..لاحظت عدة أشياء.. توقف ورشف قليلا من كأسه قبل أن يضيف..- لقد أبصرت صباح ذلك اليوم كومة من الأجنة في حديقة المصحة ثم رأيت القط يلتقط أحدها ويقفز إلى حديقتكم فتبعت حركاته الخفيفة وصادف أن رأته الصغيرة سميرة وأحاطتكم بالأمر. أتعرف سيدي أن لي مكانا في الشرفة جد مفيدا... قاطعه أبي قائلا : مفيد؟ لماذا؟ أحسست بالبرنس يحاصرني وأنا في مكاني أحاول فهم سجف الكلام... أجاب السيد "هانريكس" في هدوء: تبدو سطوحكم الجميلة ساكنة لأول وهلة، غير أن اللقاءات المحمومة التي تخترقه تصبح جد مشوقة حتى أن عيني لتفتران وأنا أتابع أشرطة حية تطالعني لوحدي ...قال ذلك وأغرق في الضحك. ترى هل فهمت عندها كل ما تفوه به الرجل؟ لا أدري. كل ما أتذكره كان غضب أبي المفرط حينها. التفت نحوي وقد احمر و جهه واتسعت عيناه وأشار أن إلي أذهب إلى حيث أمي . فتركت الصالون وأنا لا أرى أين أضع قدمي، وقصدت الغرفة الأخرى حيث تجلس أمي، فتناهى إلي صوت شجار مكتوم بسبب الستائر المسدلة. وقالت أمي وقد فاتحتها بما سمعت: " لن يستطيع التعرف على أهل البلد بهذه الطريقة. قطعا لن يستطيع". وصمتت. وفكرت أن السيد " هانريكس" نال جزاء فضوله وعجرفته فلم تحضر له أمي الكعك اليوم. وابتسمت من أعماقي. بعد برهة خرج أبي يودع السيد "هانريكس" في صمت. كان ذلك اليوم آخر عهد لنا بالسيد " هانريكس" تلته أيام ساكنة حرمنا خلالها من الخروج إلى الحديقة، فأصبحنا لا نتعدى عتبتها إلا لماما وتركناها للقط يرتع فيها، فيما اخترق خيالنا منظار ظل يرقب حياتنا مدة طويلة ويسلب منها السكون والدعة .

---------------------------------------------------------

المسار مجلة اتحاد الكتاب التونسيين، السنة 17، العدد 71، ديسمبر2005