رواية '' ذاكرة الجسد'' للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي

  ذاكرة الجسد رواية أحلام مستغانمي صدرت عن دار الآداب ببيروت سنة 1993 وهي أول عمل روائي نسائي جزائري باللغة العربية. أحلام مستغانمي كاتبة جزائرية مولودة بتونس، أين قضت البعض من طفولتها أيام الإستعمار. ثم عادت إلى الجزائر أين أنهت دراستها  وتخرجت من كلية الآداب بها. تابعت دراستها بالسربون وتحصلت على دكتوراء في علم الإجتماع. كتبت الشعر و الرواية والمقال. تمثل رواية ذاكرة الجسد أول الثلاثية التي كتبتها بين 93 و2000 تليها فوضى الحواس ثم عابر سرير. ترجمت هذه الرواية إلى الفرنسية.

ذاكرة الجسد أو رواية الثنائيات

أحداث الرواية: يعيش خالد أصيل مدينة قسنطينة في باريس أين يعمل رساما. وكان قدهجر قسنطينة بسبب المناخ السائد في السبعينات والذي يتعارض وقناعاته كمجاهد في حرب التحرير، التي فقد خلالها ذراعه اليسرى. يلتقي يوم افتتاح معرضه في باريس أحلام عبد المولى الطالبة و الروائية ابنة المقاوم الشهير الذي حارب إلى جنبه خالد. وكان أوصاه بزيارة أهله في تونس لتسجيلها بالبلدية عند ولادتها. تنشأ بين الشخصيتين قصة حب جارفة إذ لهما ذاكرة مشتركة وهموم مشتركة. وتنتهي القصة بصفة مأسوية، تتزوج أحلام من رجل وصولي يمثل نقيض خالد. من هذا المنطلق يبدأ خالد كتابة قصتهما و كان قد مارس الرسم منذ سنوات، بنصيحة من طبيبه لنسيان اعاقته، وكأنه يكتشف في الكتابة دواء لحبه الفاشل والتحاما بأحلام التي لم يفز بحبها، هي تلك الكاتبة التي أهدته روايتها الأولى في أول لقاء جمعهما.

ثنائية التأليف: تنتمي عملية التأليف إلى مؤلفين:الروائية أحلام مستغانمي من جهة و خالد الراوي للأحداث من جهة أخرى، مما يحيلنا إلى كتابات تراثية وتحديدا إلى كتاب ألف ليلة وليلة حيث تتفرع القصة فيه إلى قصص وهنا يتفرع السرد إلى سردين فتمنح الروائية إحدى الشخصيتين أي خالد، دورها في رواية الأحداث. ويحيلنا هذا التمشي إلى فكرة تحرير الشخصية الروائية من سلطة المؤلف وهي نظرية نادى بها سارتر. يقول الراوي: هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما أكبر مساحة ما لم يحدث. إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب. ثم نحن لا نشفى من ذاكرتنا. ولهذا نحن نكتب، ولهذا نحن نرسم...

ثنائية الزمن: في الرواية زمانان الزمن التسلسلي للأحداث - سنوات الثمانينيات - والزمن الإستعادي - سنوات الخمسينيات - وهو من فعل الذاكرة وتداعياتها. تبدأ الرواية بتوطئة للكتاب من طرف الراوي وذلك في سنوات الثمانينينيات إثر زواج أحلام و موت أخ خالد برصاص الإسلاميين. يقول الراوي: لا بد أن أكتب عنك بعد أن أسدل كل الستائر، وأغلق نوافذ غرفتي... كل شيء يستفزني الليلة... وأشعر أنني قد أكتب أخيرا شيئا مدهشا، لن أمزقه كالعادة.

وفي الفصل الثاني من الرواية يبدا خالد في سرد أحداث الرواية. وهكذا تنطلق أحداث الرواية التي ألفتها أحلام مستغانمي ويرويها خالد في تسلسل زمني ذي نسق معين يختاره الراوي. و يعود بنا الزمن الإستعادي إلى زمن طفولة خالد وشبابه وانخراطه في حرب التحرير وتعرفه على أب أحلام وعلى الحياة في قسنطينة والأحلام المتوثبة. يقول: كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة، ويوقظ داخلي صوت المآذن في صباحات قسنطينة. وعن تونس: أذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه لأول مرة أدق باب بيتكم في شارع التوفيق بتونس.

ثنائية المكان: في الرواية مكانان أساسيان: باريس وقسنطينة مسقط رأس الشخصيتين خالد و أحلام. تستحضر الكاتبة أماكن معروفة في باريس مثل جسر ميرابو على نهر السين أين يسكن خالد، والمقاهي والمطاعم التي يلتقيان فيها و يعيشان فيها قصة حب ملكتهما مدة أشهر. بينما تظهر قسنطينة مثل الفردوس المفقود بجسورها وقبابها وبتذكر العائلة وخاصة الأم والأماكن العزيزة على نفس المغترب.

ثنائية الرمز: يرمز خالد وهو الراوي إلى الذاكرة التي تصحح التاريخ المنسي والمهان فيصبح هو التاريخ الصحيح والمرجع لأنه ناضل ففقد ذراعه من أجل تحرير الوطن، بل هو المرجعية التاريخية. يبرز الراوي الذاكرة في جميع صيغها الفعلية و الإسمية، الحقيقية والمجازية فتبدو شديدة الحضور إذ يقول: فالذاكرة المعطوبة ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لها وهي ذاكرة يسكنها لأنها جسده. حضور هذه الذاكرة يبوؤها عدة مراتب فهي كمحور الرحى تمثل نقطة الإنطلاق و نقطة الوصول في آن، ومن هذا المنطلق سنتقصي الأدوار العديدة التي ستلعبها: فهي التي رتبت ارتباط خالد بأحلام في أول يوم يلتقيان فيه وذلك بسبب السوار يقول: ص.53 "وقبل أن تصلني إلى: لقد كان السوار في ذاكرتي رمزا للأمومة وتفجرت الأحاسيس عندما رأيته في معصمك.و تحيلنا هذه الفقرة إلى عملية الإسترداد الزمني عند بروست أو وكما هي انفرادية يمكن أفراحا وأحزانا. لهذه الذاكرة أن تكون مشتركة :وإذا بنا نحمل ذاكرة مشتركة طرقا وأزقة مشتركة" ونراها تتقمص دور الملهمة للرسام: الرسام ليس مصورا فوتغرافيا لذلك هو يرسم بذاكرته و خياله .”.ثم:كانت عيناي تريان جسر ميرابو ونهر السين ويدي ترسم جسرا آخر وواديا آخر لمدينة أخرى وعندما انتهيت كنت رسمت قنطرة سيدي راشد ووادي الرمل لا غير”. كما يمكن لهذه الذاكرة أن تجهش بالبكاء مثل بشر هده الحزن، أحيانا تصبح حالة مرضية لا نشفى منها إلا بالكتابة أو الرسم يقول: نحن لانشفى من ذاكرتنا ولهذا نحن نرسم و لهذا نحن نكتب...أحيانا تبادر بالتفرقة بين الأحبة لأنهما ليسا من نفس الجيل يقول: فهي من الجيل الذي اختصر التاريخ والذاكرة بصفحة أو صفحتين في كتب مدرسية، وهو ينتمي إلى جيل المناضلين، وهما الإثنان ينتميان لأوطان لا تلبس ذاكرتها. يقول خالد: كنت أنا الماضي الذي تجهلينه وكنت أنت الحاضر الذي لا ذاكرة له. وترمز أحلام إلى الأم وإلى الأرض و إلى الأحلام الضائعة . يقول: لم تكوني امرأة، كنت مدينة دعيني أضم كل من أحببتهم فيك..ما أجمل أن تعود أمي في سوار بمعصمك و يعود الوطن اليوم في مقدمك ..يوم دخلت هذه القاعة دخلت قسنطينة معك، دخلت في مشيتك، في لهجتك، وفي سوار كنت تلبسينه.. كنت أشعر برغبة في الجلوس إليك، عساني أتعرف على النسخة الأخرى لذاكرتي. يا امرأة في شكل وطن ثم.. أنت لست امرأة فقط، أنت وطن.. وأمام حاضر مخنق يهرب خالد إلى الوراء إلى هذا الوطن الذاكرة. ويمشي نحو الماضي مغمض العينين. أحيانا تتوحد الذاكرة مع الجسد إذ يقول: وبذاكرة تسكنها لأنها جسدك .جسدك المشوه لاغير. وهنا تقصد الكاتبة ذراع خالد المبتورة. ثم يقول: أنت الذاكرة المعطوبة التي ليس هذا الجسد المعطوب سوى واجهة لك.ثم وهو يمر بجسر قسنطينة: ربما كان فرصتي الأخيرة للتوحد الجسدي مع قسنطينة ومع ذاكرة جد بدأت أشعر بتواطؤ غامض معه. هنا أتساءل: أليست هذه الذاكرة هي الشخصية الأساسية وكأنها ذلك البطل الأسطوري المسمى بالسوبرمان؟ لقد استطاعت أحلام مستغانمي بفضل مسكها بناصية الكتابة الملتزمة أن تحيلنا انطلاقا من قصة حب جارفة تفشل في النهاية، الى أحداث تاريخية تقع في مدينة الشخصيتين تشابه ما يحدث في بعض البلدان العربية الأخرى، التي تحمل نفس الهم. مازجة في ذلك بين زمنين كما أسلفنا وذلك على طريقة الفلاش باك، منتقية لغة شاعرية، ثرية بالصور والتشابيه الجميلة، والرواية تزخربذلك مثل: شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي، و أني عاجز عن أن أجيب بكلمة واحدة -أو- أشعر أنك تمشين على جسدي و أن خلخالك يدق داخلي و يعبرني جرسا يوقظ الذاكرة..-أو- كان كلامك كذبا أبيض أستمع إليه بفرشاتي وألون جمله..تعودت أن أكسو ما تقولينه لي بالبنفسجي، بالأزرق.. والرمادي بالقلق الذي يخيم على كل ما تقولينه ..كما استلهمت من اللغة الجزائرية بعض حواراتها لتثبت الذاكرة والهوية، ومن حقها أن تفعل في زمن العولمة أين طغى حفظ بعض المفردات المصرية وغيرها على هذه اللغة المرحة يسيرة الفهم والقريبة من النفس. وفي الختام ماذا يمكن قوله؟ تطرح هذه الرواية عدة مسائل لا يمكن الحديث عنها في هذه الورقة لكن ما يمكن أن أختم به هو أن هذه الثنائية المتواترة في الرواية موظفة و ليست عفوية بل تحيلنا إلى مقاربة لتدوين التاريخ تنبذالنظرة الأحادية للأحداث بالنسبة لمن يروم البحث عن الحقيقة. وتبررالنسبية كخطوة أولى نحو معرفة الحقيقة.. .و ينخرط في رأينا هذا العمل الإبداعي الرائع، في هذا الإتجاه.