مقاربة بين فكر الطاهر الحداد وبعض فصول مجلة الأحوال الشخصية

وهي تطفئ شمعتها الخمسين تبدو مجلة الأحوال الشخصية رمزا للحداثة وتصورا لمجتمع ينخرط في العصرنة والتشوف لكن لا يمكن أن ننسى جذور هذه المجلة التي رامت بلورة مشروع تونس الإصلاحي الذي انطلق مع الوزير الأكبر خير الدين وتبعه كل من ابن أبي الضياف ،بيرم الخامس الجنرال حسين، قبادو ،محمد السنوسي فيما ظهرت في الفترة اللاحقة كتلة من المصلحين أمثال الثعالبي والطاهر الحداد والحبيب بورقيبة الذي سعى إلى إصدار هذه المجلة محققا حلم الحداد بعد إحدى و عشرين سنة من وفاته وحلم النساء التونسيات اللائي أصبحن مثالا لبنات جنسهن العربيات .وفي 12 أوت1993 نقحت هذه المجلة بإيعاز من رئيس الدولة السيد زين العابدين بن علي واتجهت نحو التأكيد على المساواة بين الرجل والمرأة ودعم مكانة الأم في العائلة باقرار حقوقها في الولاية على أبنائها و تعويض مفهوم الطاعة بمبدإ التعاون و الإحترام المتبادل بين الزوجين و تطوير أحكام الطلاق وإجراءاته و احداث خطة قاضي الأسرة و صندوق النفقة الى جانب إصدار مجلة حقوق الطفل و تمكين الطفل المولود بالخارج من أم تونسية وأب أجنبي من اكتساب حقه في الحصول على الجنسية. و ذلك ضمن اثنا عشر مادة سيقع تحليلها من طرف الصديقة اهتمام . يقول الطاهر الحداد:"المرأة هي أم الإنسان ، تحمله في بطنها و بين أحضانها ، وهو لا يعي غير طابعها الذي يبرز في حياته من بعد.وترضعه لبنها ، وتغذيه من دمها و قلبها .. وهي الزوج الأليف تشبع جوع نفسه و تذهب وحشة انفراده .... وهي نصف الإنسان. فإذا كنا نحتقر المرأة و لا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا. ثم يضيف: و إذا كنا نحبها ونحترمها ونسعى لتكميل ذاتها فليس ذلك إلا صورة من حبنا واحترامنا لأنفسنا و سعينا في تكميل ذاتنا. لقد اقترنت حياة الطاهر الحداد بجذوة النضال و عاش اهتزازات المجتمع المستعمر وأزمات التعليم الزيتوني ،مما أذكى فيه الشعور بالضيم وقاده إلى النضال سواء داخل الحزب الدستوري الناشئ أو على أعمدة الصحف أو في صلب الحركة النقابية.احتك بالطبقات الكادحة مع صديقه محمد علي الحامي مؤسس أول منظمة نقابية وعايش نضال العمال ضد المستعمرين فأصدر كتابه الأول : ""العمال التونسيون و ظهور الحركة النقابية ""سنة 1927. تحمس لقضية المرأة فبادر بالدفاع عنها معتنقا همومها التي أحرقته و صارت همه الأكبر فاندفع مع بعض المثقفين من أصدقائه أمثال محمد نعمان و الهادي العبيدي في معركة السفور و نشر في جريدة الصواب سنة 1928 مقالات جريئة عن قضية المرأة مثلت جلها النواة الأولى لكتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع "الصادر في 1930.احتوى كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع على محورين: القسم التشريعي و القسم الاجتماعي . و قد استرعى القسم التشريعي اهتمامنا كما استرعى في اعتقادنا انتباه المشرع إبان إعداد مجلة الأحوال الشخصية التي جاءت بمثابة الجواب على ما أرق الطاهر الحداد آنذاك.و طبيعي أن يؤثر الفكر السياسي و الثقافة الاجتماعية في سن التشريعات والقوانين فهي لا تنبع من عدم و إنما تكون غالبا تكريس لثقافة اجتماعية شاملة ولفكر سياسي ثابت.تمحور القسم التشريعي من الكتاب حول مشروع تقويمي لوضع المرأة حلل فيه الحداد نظرة الشريعة الإسلامية لها ، مقارنا وضعها في الإسلام بالوضع الذي كانت عليه في الجاهلية، منبها إلى"مبدإ تدرج الإسلام في تشريع أحكامه لتطور الإنسان و مجاراة للتمدن المطرد". كما سعى الحداد في دعوته الإصلاحية إلى إبراز عيوب المجتمع التونسي في الثلث الأول من القرن العشرين و أسباب تخلفه مبينا أن النهوض بالمجتمع مرتبط ارتباطا كليا بالنهوض بالمرأة فهي" أم الإنسان" وهي تمثل شطر الأمة نوعا وعددا . وقوة في الإنتاج من عامة وجوهه"في عهد الطاهر الحداد لم تكن المرأة تعرف ما يجري حولها إذ كانت لا تغادر البيت إلا تماما و إذا ما خرجت فالحجاب يلفها والنقاب يخفي وجهها. يقول في الصدد: "ما أشبه ما تضع المرأة من النقاب على وجهها منعا للفجور بما يوضع من الكمامة على فم الكلاب كي لا تعض لمارين ")161) فهي "تزف إلى بيت الزوجية مبهوتة " أو تساق إلى" دار جواد "( 122)إذا أظهرت تعنتا أو نشوزا.واقترح حلولا لتحقيق ذلك متبعا في تحليله طريقة بحث عالم الاجتماع و رجل القانون معا.و سنسعى في بحثنا إلى تقديم هذه الحلول ، فنطرق باب مدينته الفاضلة.-إقرار مبدإ المساواة بين الرجل والمرأة الوسيلة المثلى لزواج ناجح :يعتقد الطاهر الحداد أن الإسلام دين الحرية والمساواة إذ حدد الله جزاء عباده بقدر أعمالهم ويقول في الصدد:"إذا ما تأملنا حق التـأمل في نصوص الشريعة الإسلامية و مراميها نجد أنها تريد أن تذهب بالمرأة مع الرجل مذهب المساواة في وجوه الحياة " و يضيف "برهن الإسلام على غرضه الأسمى في اعتبار عباد الله سواء عنده وأنه خلقهم سواء في أحسن تقويم و حدد جزاءهم بقدر أعمالهم و لتحقيق المساواة التي أرادها الإسلام لا بد من صقل التقاليد مما علق بها من أدران انحرفت بالشريعة أحيانا ، كقاعدة الجبر التي تمكن الولي من إكراه البنت على الزواج دون رضاها و دون التأكد من موافقتها . ورأيه أن هذه الزيجة لا تنجح إذ يقول " لنتصور بعد هذا أن المرأة عندنا تزف إلى بيت الزوجية وهي ذاهلة مبهوتة جاهلة ما عسى أن يكون...ويتم ذلك على يد أهلها و أقرب الناس إليها فهل هذه العدالة ويرجى أن تثمر زواجا سعيدا...ويضيف:"فالآباء يريدون السعادة لبناتهم بالإكراه والجبر..."ويتطرق الحداد إلى مبدإ تشريعي هام وهو إخضاع الزواج إلى شروط –قد نعتبرها بديهية الآن – ولكنها لم تكن مؤمنة، وتتمثل في موافقة الفتاة على الزواج كما أسلفنا مع تحديد سن أدنى له"إذ كثيرا ما تتسرع العائلات بزواج أطفالها دون سن الرشد بكثير.."كما يشترط الطاهر الحداد عدم إقامة الزواج إذا كان أحد الزوجين يشكو من مرض مزمن و خفي، يكون هادما للنسل و لصحة المرأة.وفي الصدد يحيلنا التاريخ إلى من له السبق في المجال ألا وهو باعث الصداق القيرواني قديما، الذي كان يمنح المرأة المسؤولية في اختيار الزوج وفي الإدلاء بشروطها. تأتي مجلة الأحوال الشخصية فتقر وترسخ قانونا عدة مبادئ لمجتمع يروم الحداثة و يحفظ ناموس العائلة .-ويجسد الفصل التاسع منها مبدأ المساواة بين المرأة والرجل فيلغي قاعدة الجبر ويخول للزوج والزوجة أن يتوليا زواجهما بنفسيهما .-و يشترط الفصل الثالث من المجلة رضاء الزوجين لإبرام عقد الزواج وكان الحداد قد شهر بالزواج بالإكراه وهكذا أنقذت المرأة من زواج لا ترغب فيه، وأصبحت موافقتها ضرورية ومباشرة لإتمام عقد الزواج .-يحدد الفصل الخامس سنا أدنى للزواج (الزوج عشرون والزوجة سبعة عشر سنة)- أكد الطاهر الحداد على حق المرأة في حرية التصرف حسبما تمليه الشريعة الإسلامية التي أهلتها للتصرف و للقضاء دون تردد.وجاء الفصل 24 ليمنع ولاية الزوج على أموال زوجته. - منع تعدد الزوجات :طالب الطاهر الحداد بمنع التعدد بفضل قراء ته المبصرة للقرآن حيث يشرح ذلك قائلا: ص 47/48 و جاء الفصل 18 من المجلة ليحجر الزواج بأكثر من واحدة واقتضى بمعاقبة الزوج المخالف لهذه الأحكام بالسجن وبخطية مال.-الطلاق القضائي خصص الحداد قسما هاما عن الطلاق فشرح معناه في الإسلام ثم تطرق الى: طلاق الثلاث(56)حق الطلاق(58)محاكم الطلاق(60)التعويض المالي في الطلاق(66)اقترح الحداد إحداث محاكم مختصة به حتى يقضى على التطليق الفردي المهين للمرأة و الهادم للبيوت متعرضا إلى الأسباب التافهة أحيانا و المؤدية إلى طلاق الثلاث دفعة واحدة و ما ينجر عنه من إنحرافات بالشريعة كاللجوء إلى الزوج المدلس عند الإقتضاء.يقول" لا علاج لدرء هذه الحالة إلا بوضع مبدإ تحكيم القضاء في كل ما يقع من حوادث الطلاق والزواج حتى لا يتم منها إلا الموافق لغرض الشريعة و نصوصها ولا يبقى مجرد لغو يصدر من فم رجل ينقض بيتا بمن فيه ...كما تناول مسألة التعويض المالي للمرأة المطلقة حسب ما نصت عليه الشريعة الإسلامية. متخذا أمثلة حية من مجتمعه مبينا مدى هشاشة وضع المرأة، إذ أصبح التلاعب بما أقرته الشريعة هو القاعدة لذلك حث على مراعاة الحق في الطلاق للطرفين وطالب بضرورة اللجوء الى المحاكم حتى تضمن كل الحقوق مستشهدا بآيات قرآنية و أحاديث شريفة تتعلق بالطلاق قائلا فيما يخص التعويض المالي في الطلاق الذي يحبذه و يحث عليه:"فما أكثر ما يحترم القرآن المرأة و ينصفها وما أكثر ما نؤوله ليطابق هوانا" و جاء الفصل 30 في هذا السياق فاقتضى تحجير الطلاق خارج المحاكم المختصة و جعله قضائيا بالضرورة و حدد ثلاث حالات له تنشأ بطلب أحد الزوجين على السواء وهي:الطلاق بالتراضي والطلاق للضرر والطلاق إنشاء . كما أقرت المجلة في فصلها (31) تعويضا ماليا للمرأة المتضررة يدفع لها مشاهرة على قدر ما اعتادته من العيش في ظل الحياة الزوجية بما في ذلك المسكن .و ختاما أقول إن الرياح التي أطاحت بسفن الحداد غيرت وجهتها دون رجعة ولكن..بعد أن عصفت به وهو في عز العطاء وتركته للعزلة و البؤس والمهانة واختلقت الأقاويل حوله واتهم بالإلحاد و الزندقة..لكن عجلة التاريخ لا تتوقف فوفته التقدير والحقوق وأخرجت فكره إلى الملأ نابضا مستنيراهذا بعض ما أوحت به إلي قراءتي لكتاب الطاهر الحداد الصادر في 1930 و مجلة الأحوال الشخصية الصادرة بعد حوالي إحدى و عشرين سنة من تاريخ وفاته، و نحن الآن بصدد الاحتفال بمرور خمسين سنة على صدورها.